دخل مكتبي يمسح عرقه من حرارة الجو ومشوار الطريق وإرهاق اليوم

كان ناحلا اقرب الى السقم اسمرا لفحته شمس المشي في صيف جدة نهارا جهارا لا يصد عنه الحر اللافح الا غترته الأقرب الى الاصفرار

ينتعل حذاءا جار عليه الطريق قبل الزمن لكثرة ما يقطع به الطرقات وما يجوب به الأزقة

جلس متعبا على الكرسي امامي وتناول نظارته بيده ونفخ على زجاجتيها ثم مسحهما بطرف غترته التي تجعدت واصفرت وبليت

كان موظفا حكوميا في مكة المكرمة ولكنه يسكن جدة مع اخته التي عاشت وحيدة معه ومثله وبعد ان فقدا أمهما التي انتقلت الى رحمة الله من سنوات

كان يبدا يومه بالسير من باب شريف حيث يسكن الى باب مكة ليستقل سيارة الأجرة الجماعية كل صباح ويصل الى عمله متاخرا كل يوم ولا غرو فهوم موظف قديم في إدارة تنشط في المواسم .

كانت صفاته الطيبة تغلب على كل مافيه حتى خطه كان مميزا وخاصة عندما يكتب رسائله المطولة شاكيا او طالبا شفاعة في امر او تسهيل مهمة اومعروف لمن هو معروف لديه

كانت زيارته لي ذلك اليوم لاخذ مخصص سنوي له من أحد معارفه تعودت أن احضره واحفظه له لحين عودته من مكة

ناولته الشيك والذي كان لعلمي بمبلغ بضع مئات من الريالات ، ولكن اليوم فاجأني ان أعاد الشيك سريعا بعد ان نظر اليه مستغربا ان التوقيع على الشيك كان باسم سيدة وأظنها تعمل في ادارة المحاسبة لدى الرجل الذي يصدر هذه المعونة السنوية واستنكر قائلا : ايش دا ؟ الشيك بتوقيع حرمة ؟

كان الامر غريبا عليه و جديدا على الكثير من الناس في ذلك الوقت

قال في توجس : وهل يصرفه البنك ؟

ضحكت من توجسه وطمأنته أن لأن خوف على الشيك من توقيع ” الحرمة “

خرج من مكتبتي مرتابا في امر الشيك فهي المرة الاولى التي يرى فيها توقيعا نسائيا على معاملة مالية .

عبدالملك شخصية نسيج وحدها لا يشبهه احد في الحارة غريب الأطوار والأفكار عاصر في حياته العملية الكثير من رجالات مدينته وكان يملك القبول لدى كبار التجار والمسؤولين ويحظى لديهم بالمحبة فقد كان خدوما كريما مع الكثير وخاصة أولئك الذين كان يغص بهم مركازه الشهير في حارة اليمن والذي كان يجمع التاجر والموظف والضابط وحتى طالب الجامعة

كان مركازه يمثل لديه مكانة اجتماعية وعلاقة أسرية افتقد كلاهما في مشواره الطويل مع الوظيفة التي بقي معها في اول السلم والعزوبية التي جعلته وحيدا الا من اخته التي تشاركه الشقة الصغيرة في وسط البلد

يتوافد الاصدقاء على مركازه كل في وقته من العصر حتى ما بعد منتصف الليل ويستعد لكل واحد منهم حسب حالته وراحته فمنهم المبكرون بعد صلاة العصر لتناول الشاي او الحديث السريع ويمضون الى مشاغلهم ومنهم من ياتي بعد صلاة المغرب وقد افاق من قيلولته ومنهم من يحلو له السمر فياتي بعد العشاء بقليل أو كثير ويطول ببعضهم الجلوس حتى منتصف الليل رفيقتهم في ذلك شيشة الجراك التي يجتهد عبدالملك في نظافتها وتلمعها واختيار الجمر لرأسها حتى انه يجتهد تلبيسة ليها الملون والمشغول

وكثيرا ما يقوم بدعوة زوار مركازه بمناسبة عودة احدهم من سفر أو شفائه من مرض أو توفيقه في عمل وكان مصدر ولائمه هو العم بكر الطباخ صاحب اشهر مطبخ في الحي بل في جدة كلها انذاك

عاش ومات عبدالملك في شقته الصغيرة الا في اخر أيامه حيث أكرمه احد أقاربه بشقة اوسع في حي من الأحياء الجديدة سكنها مع اخته التين كان يغيب عنها من الصباح في مكة حتى بعد الظهر حيث يعود ليشاركها الغدا وقد ينام قليلا ليقوم قبيل العصر لفرش البسط في مركازه وتحضير الجراك والشاي ولوازمهما من فناجيل وفحم وماء جديد استعدادا للمبكرين والمتأخرين من زواره اليوميين او من يتوافدون احيانا عليه في زيارة خاطفة او في حاجة او سلام عليه

كان لعبدالملك دكانا صغيرا خلف مركازه ” صندقة ” من نموذج موحد ابتدعته البلدية في الاحياء يبيع فيها اقل القليل حيث لا تتجاوز بضاعته المشروبات الغازية والعصائر وبكتات الدخان المعروفة انذاك وكان من اشهرها سجائر( بنسون ) ذات العلبة الذهبية والتي كان يقبل عليها الأفارقة بشكل خاص وكذلك سجائر lucky strike والتي عرفت باسم ( ابو أسطوانة ) والتي يقبل عليها الباكستانيون خاصة

اذكر أن الذي نصحه بهذا الدكان أو ( الصندقة ) كان أحد مرتادي المركاز الدائمين وكان وقتها مديرا لفرع أحد البنوك وهو من سكان الحي المقربين لعبدالملك ومحل ثقته

وكان مدير الفرع هذا يحمل معه الغلة كل مساء ليودعها في حساب عبدالملك لديه في الصباح وياتيه بقسيمة الايداع كل ليلة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s