العزيزة.. بضم العين وكسر الزين وتشديدها، هي لعبة للأولاد غالبا يجري أحدهم خلف المجموعة للإمساك بأحدهم وهم ينطلقون نحو جدار أو عمود إن وصلوه فقد (عززوا) أي احتموا من أن يمسكهم، ويعود الدور على من يمسك به ليجري محاولا الإمساك بأحدهم وهلم دواليك.
ضجت القاعة بالضحك فتشتت تركيز المدرب الذي استعد لإجابة زميلنا آدم الذي فاجأنا بسؤاله: يا أستاذ ماذا أفعل لو جاء الراكب ومعه ثعبان؟
السؤال الذي بادر زميلنا حلمي (المشهود له بخفة الدم وسرعة النكتة) بالرد عليه قبل المدرب قائلا: لا تقبله، لو انفلت الحنش (انطلق الثعبان) تتحول الطائرة إلى عزيزة.
تجاوز المدرب الإجابة محاولا إعادة الهدوء إلى القاعة بعد موجة الضحك التي أخرجت الدرس عن وقاره كأنه اكتفى باجتهاد الحلمي خشية أن يتطور الأمر بسبب السؤال غير المتوقع في دورة خدمات الركاب التي كنا نحضرها في القاهرة، وكانت إحدى الدورات المهمة في برنامج التدريب المكثف لإدارة الفروع الخارجية والذي التحقنا به لعامين ونصف العام، وهدأ الجميع احتراما للمدرب الذي بدا عليه الحرج من هذا الهياج الساخر وبقي السؤال بلا إجابة.
وبعد سنوات تجاوزت الثلاث أو أكثر وكنت قد تخرجت وعينت مديرا لإحدى المحطات الخارجية للشركة دخلت يومها للقنصلية في زيارة قابلني عندها أحد المسؤولين قائلا بترحيب: ربنا جابك، كنت سأتصل بك لمساعدة الإخوان وأشار إلى رجلين يجلسان أمامه في زينا الوطني وابتسم أحدهما وصافحني قائلا: أهلا أخ صالح نرجو منك مساعدتنا في السفر غدا ونريد أن نعرف الإجراءات المطلوبة لأخذ ثعبان معنا، عادت بي الذاكرة لحظتها إلى جواب الحلمي فبدت مني ابتسامة حاولت إخفاءها وبادرت بسؤال الرجل هل لديك شهادة صحية للثعبان، فقال: بسيطة سأطلبها من البائع فطلبت منه الحرص على وضع الثعبان في صندوق محكم والحضور مبكرا.
قلتها رغبة في المساعدة وتلبية لطلب مسؤول القنصلية مدركا بأن الحل لا يتجاوز ما اقترحت ورأيت علامات الارتياح على وجه الرجل صاحب الثعبان، مما أشعرني أني أزلت عنه هما أقلقه وبادر بالنظر إلى رفيقه كأنه يؤكد له إمكانية ذلك، كأن صديقه لم يكن يتوقع الموافقة ولكن ومن تجربتي في عملي آنذاك فإن المسافر أو الغريب يشعر بقيمة المسؤول من خلال مساعدته له وتسهيل أموره وتقدير حالته.
ومن باب الفضول سألت الرجل لماذا يشتري ثعبانا وينقله معه إلى بلده؟
فالأمر ما زال غريبا وغير مألوف في عملي فلم أشاهد في الواقع شيئا مماثلا حتى إن الظروف حالت دون أن يكمل المدرب الإجابة عليه في واقعة الحلمي الشهيرة قبل سنوات.
كانت إجابة الرجل وفي براءة واضحة أنه يملك ملاعب للأطفال وقد جاء إلى كراتشي لاستقدام عمالة لذلك، ولفت انتباهه بجوار الفندق رجل يأتي كل صباح يخرج الثعبان من كيس ويزمر له من مزمار معه فيرقص الثعبان على نغم المزمار الأمر الذي دفعه إلى مساومة صاحب الثعبان على شرائه ليضيف بهذا متعة جديدة لمرتادي ملاعبه يجتمعون عليها تميزه عن الملاعب المنافسة.
أدركت لحظتها ما وقع فيه الرجل فقلت له: ولكن يا أخي هل سيسافر معكم الرجل صاحب المزمار، قال: لا، ولكنه وعدني بأن يسهر الليلة يسجل لنا كل الأنغام على شريط كاسيت نسمعها للثعبان من آلة تسجيل، استغربت لهذا الحل وقلت لصاحبنا إن الثعبان أصم ولا يسمع المزمار ولكنه يتمايل من حركة العازف أمامه.
لم ألاحظ في نظرة الرجل موافقة لما قلت وكأنه قد عقد العزم على إطلاق هذا الاكتشاف في ملاعبه فتمنيت للرجل رحلة سعيدة ونجاحا باهرا بهذا الإبداع غير المسبوق في سوق ملاعب الأطفال في بلادنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s