وصلت كولومبو في التاريخ الخطأ حيث كانت البلاد خارجة للتو من حرب أهلية بين الفصيلين اللذين يمثلان الأكثرية من سكان سريلانكا، وكان نصيبي أن استقبلت بانفجار وودعت بعد ستة أشهر بانفجار آخر كتب الله لي السلامة من كليهما.
كانت مهمتي تأسيس فرع لمكتب الشركة.. المشروع الذي تأخر كثيرا، ونظرا لظروف الحياة المتوترة في فترة كانت البلاد فيها تلعق جراحها بعد الحرب، كنت حريصا على اختصار إقامتي وحاولت الإسراع في إنجاز المهام المطلوبة للتأسيس، يشاركني في ذلك وكيل الشركة الذي يشهد له بالعمل الجاد والعلاقات الجيدة بالإدارات ذات الاختصاص في نشاط الشركة التي أمثلها في جزيرة الزمرد كما يحلو لأهل سريلانكا تسمية بلادهم.
وكان من ضمن الترتيبات الأولى بعد وصولي تعيين الفريق الإداري الذي سيعمل معي من الموظفين المحليين والأمر لا يتعدى السكرتارية والمحاسبة، وكانت سريمال هي المساعدة الإدارية التي من المفترض أن تقوم بكل ما أحتاج إنجازه من إجراءات لمشروع التأسيس، وسريعا ما شعرت بإحباط خانق نظرا لبطء سريمال في إنجاز ما أوكله لها من أعمال وكنت أشعر أن الساري الطويل الذي ترتديه يزيد من إعاقة حركتها في المكتب ولم يكن لائقا للعمل.
كنت أحترق لإنجاز الأعمال التي تتراكم على مكتب سريمال والتي لم تكن تأبه لها أحيانا… وفي نفس الوقت كنت أحسب الأيام لإنجازها وبسرعة، وكنت قلقا لما حدث في اليوم الأول، حيث ترك أحدهم قنبلة في غرفة بالفندق الذي سكنته عند الوصول أودت بحياة إحدى العاملات كما تعرضت في آخر الأيام إلى محاصرة الأمن في طريقي للمطار، وكنت في المقعد الخلفي واضعا غطاء العين الذي يوزع في الطائرة ليساعدني على النوم وكانوا يبحثون عن مقنعين قاموا بتفجير إحدى المنشآت وكنت مشتبها به بسبب الغطاء الذي ظنوا أنه قناع من يبحثون عنهم!
وزاد من رغبتي في الخروج من جزيرة الزمرد هذه أن رزقني الله بطفلة في جدة أثناء أدائي عملي في ظل بطء سريمال التي لا أظنها كانت تفرق بين اليوم والأسبوع في إنجاز العمل، الأمر الذي دفعني إلى أن أستغني عن خدماتها أو كما يقول زميلنا المرحوم غازي رفاعي (أن أطوي قيدها) وكان ذلك في أغسطس من عام 1984 ميلادية.
ومن المفارقات أن ابنتي التي كانت تحتفل بذكرى ميلادها الـ29 قبل شهرين والتي رزقني الله بها في غربتي خلال عملي في سريلانكا زارتني مع طفلتها وكنت يومها بحاجة إلى عاملة منزلية، فأردت أن أستعين بفرع الشركة في كولومبو باختيارها، وهالني عندما ردت سريمال على الهاتف من مكتب كولومبو ولم أكن مستعدا لهذه المفاجأة، حيث عرفت منها أنها عادت للعمل بعدي.. سألتها إن كان المدير الحالي أفضل من المدير القديم (أقصد نفسي) مدركا أن الذين جاؤوا بعدي قد يتجاوزون العشرة مديرين، قالت بنبرة القوي الواثق: بكل تأكيد.
أجابت سريمال وكنت من السذاجة أني طلبت مساعدتها في معرفة مكتب استقدام: اتصل بي بعد أسبوع. أجابت بنفس البرود واللا مبالاة اللذين كانت تتعامل بهما في ما أريد إنجازه من أعمال، أدركت حينها أن لا مجال في أن أتوقع منها أي اهتمام،
نظرت إلى هزار ابنتي وقلت سبحان الله وقد مرت ثلاثة عقود على الموقف عادت سريمال حيث كانت وكم هي قاسية الظروف أحيانا.. صعبت علي حال سريمال.. لا أدري لماذا.. فقد أحسست بالملل وأنا أتخيل نفسي في مكاني وقد توقف الزمن 29 عاما.. حمدا لله على كل حال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s