لم أتوقف ولو لبرهة للتساؤل … لماذا عدت أدراجي ؟ وقد قطعت هذا الطريق الطويل الى بيت اختي لأخذ وعاء المربى الذي تركته ابنة خالتي والتي تجيد عمل مربى القرع وتدرك اني من عشاقها

كنت منقادا في تلك اللحظة لشعور يدفعني بالعودة وإتمام أمور اخرى ملحة غير الذي جئت له برغم حرصي عليه

تلقيت في طريق عودتي اتصالا من صديقي ارشد الذي يزورنا في جدة لايام يطلب مني ان نلتقي في الغد لمساعدته في شراء بعض لوازم رمضان لبيته في هيوستن واتفقنا على الموعد

وكنت في الطريق اتخيل المربى الشهية التي قررت ان احضرها غدا كذلك وقبل موعد السوق مع ارشد

فللقرع (نبات اليقطين) عندي محبة خاصة ولا أدري متى بدأت.. وقد يكون لطريقة بعض الشعوب في الاحتفاء به وبموسمه وزراعته دور في ذلك، ولكن ما زلت لا أدري.. وإن كانت رائحته التي تفوح من الشمع في بعض المتاجر تنقلني إلى عوالم من الأنس والراحة وتدغدغ مشاعري كما تفتح شهيتي للشراء والطعام والموسيقى.

وأعرف أن لي مع القرع علاقة أقرب إلى الغرام والعشق ولا أخفيكم أن لونه وشكله ورائحته وكل ما ينتج منه أو عنه هي عندي في سويداء القلب، وهو يمثل جزءا من هواياتي واهتماماتي، وتصل هذه الاهتمامات بأصدقائي إلى درجة التندر بي!

ولا أنسى الدهشة يوم أن أحضرت للدكتور سعيد السريحي علبة شاي بنكهة القرع شربه بنية الشوربة كما قال، ولا أنسى صديقا آخر ضحك حتى مال على قفاه عندما علم أني تصورت سيلفي مع حبة قرع وجدتها في قسم الخضراوات مكتوب عليها بأحرف لاتينية اسمها بالإسبانية ولدهشتي أن الاسم كان (كلبوظة)!

وقد تكون ابنة خالتي يحفظها الله من القلائل الذين يجيدون هذا العمل الذي يتجاوز جماله عندي جمال لوحة تكعيبية لبيكاسو أو تأثيرية للشيخ إدريس أو حتى سيريالية لسلفادور دالي، وليتكم تعلمون مدى فرحتي بهدية كهذه حتى أني اتصلت مرات ومرات أشكرها عليها، وذكرت ذلك أمام القاصي والداني ممن قابلت في رمضان والعيد.

أخذت العلبة في سيارتي وكنت في طريقي للسوق مع صديقي أرشد الذي وصل  لقضاء أيام من رمضان في جدة وأداء العمرة والزيارة والعودة إلى أهله في أمريكا قبل العيد.

وفي طريقنا للسوق هالني أن لاحظت أرشد يتصبب عرقا وأن وجهه يتغير ويده ترتجف وفمه يبدو عليه الجفاف، وأدركني الخوف الشديد عندما طلب مني أرشد أن أتوقف عند أول بقالة لشراء تمر أو حلوى قائلا إنه يشعر بانخفاض شديد

في مستوى السكر، وهذا قد يؤدي به للإغماء في الدقائق القادمة.

كنت سمعت أذان العصر قبلها بدقائق ولكن توقفت مرتبكا عند أول دكان وكان مغلقا للصلاة شعرت لحظتها بالورطة المقبلة، وتخيلتني أحمله بين المستشفيات فاقدا الوعي بين الحياة والموت وأنا لا أعرف في الطب، وقليلا ما أعترف بالأطباء بل وكثيرا حتى ما أتجنبهم وإن كان أصدقائي وبعض أهلي منهم يحفظهم الله جميعا.

نسيت في ربكتي أني أحمل ترياقا نادرا لحالة صديقي أرشد نسيت مربى القرع وما أنسانيها إلا الشيطان.

سارعت بفتح العلبة وناولتها له ناسيا أننا في الشارع وفي نهار رمضان وأننا بالقرب من المسجد وفي هذا مخاطرة لا يعلم عواقبها إلا الرحمن الرحيم، ولكن فاجأني أرشد فبدلا من أن يدخل يده في العلبة ويتناول قطعة منها سألني هل معي شوكة أو سكينة أو ملعقة (استحى أدبا أن يدخل يده في العلبة) صحت فيه أن يا أرشد نحن في حالة طوارئ ولا وقت لهذه الفذلكات وقد بلغ مني الرعب مبلغا مزدوجا، فأنا أتخيله مغشيا عليه من انخفاض السكر في دمه كما تخيلت أن يقتادنا أحد المحتسبين بتهمة الإفطار والمجاهرة به في الشارع في نهار رمضان ولكن الله ستر.

وبعد أن ارتاح وعاد إلى أرشد رشده أبدى إعجابه بهذه المربى النادرة وقال لي: من أين لك هذه العلبة؟ قلت: هي من بنت خالتي، قال: اتصل بها فعسى أن نجد لديها مثلها، قلت: لا يا صديقي لا أجرؤ أن أتصل ولكن خذها مني، قال: لا آخذ هدية هي لك.

قلت: خذ نصفها، قال: لا أشاركك فيها ولكن هل يمكن أن تتصل بابنة

خالتك لتعرف منها الطريقة. قلت: لا يمكن فهي وإن كتبتها لك لن تقرأها أنت بالعربية، قال: ترجمها لي، قلت: لا أجيد ذلك.

أمتعني الحوار الذي أكد لي أن شغفي باليقطين له مبرراته كما له جمهوره الذي اكتشفته في إلحاح صديقي الذي عادت إليه الحياة بعد أن كادت تفارقه بفضل الله ثم بفضل نبات اليقطين الذي أنقذ سيدنا يونس عليه السلام قبل صديقي أرشد.

وفي المساء جلست إلى الحاسوب أسأله عن طريقة عمل مربى اليقطين فأجابت سيدة على اليوتيوب باللغة الإنجليزية، وكانت من أرمينيا، بتفاصيل قد تفي بحاجة صديقي الذي سارع بتوجيه رسالتي إلى زوجته قائلا: أصل هيوستن بعد يومين وأرجو أن تكون المربى جاهزة.

أضاف أرشد إلى حوارنا قائلا: من أعطاك هذا اليوتيوب، قلت: ابنة خالتي.

غفر الله لي هذه الكذبة البيضاء

هنا وجدت الفرصة للتساؤل والتي لم اجدها بالأمس ” حيث كنت منقادا لذلك الشعور المفاجئ بالعودة وإرجاء أخذ الوعاء للغد  “

كيف لو اني اخذت المربى بالامس ؟ 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s