في زيارة قصيرة لم تتجاوز وجه نهار مشمس في شتاء فبراير من هذا العام كنت اتجول في أزقة باليرمو الضيقة بعيدا عن الشوارع الرئيسية التي تغص بالسياح الذين جذبهم تاريخ صقلية و جغرافيتها.

  في باليرمو تتراى للزائر البساطة في اشكال الناس والمتاجر الشعبية و المطاعم الصغيرة التي يزدحم عليها الطلبة والعمال و الموظفون في منظر نالفه في كثير من بلداننا, فاسواقها لا تختلف عن تلك الاقبية في القاهرة او تونس حتى رايحة العطور والبهارات واسماء الازقة تحمل تاريخا عربيا واضحا

المتسولين فهم اقل عددا واظنهم اكثر ذوقا تجدهم يستجدون المارة بالموسيقى ولا (ينشبون في  حلقك) او يفسدون جولتك.

   أذكر عندما رست بِنَا  السفينة صباحا قال احدهم لرفاقه هنا تم تصوير فلم الاب الروحي الشهير عن المافيا ولكن الاهم من ذلك ان المرشد السياحي الذي رافقنا في الساعتين الاولى من الزيارة  اكد ان الوجود العربي  الذي تجاوز القرنين من الزمان في جزيرة صقلية ادخل في مفراداتها الكثير من الكلمات العربية فتجد اليوم شارع العطارين و زقاق الكسكسي كم ان الايات القرانية الباقية على كاتدرائية المدينة بالخط المغربي وقد كانت مسجدايعلو  اليوم منارته جرسا لاوقات الصلوات المسيحية

ويقول علماء اللغة ان اللغة الصقلية ذات المفردات العربية الواضحة هي الان اللغة الرسمية لدولة  مالطة المجاورة.

جزيرة صقلية تعتبر مسقط راس جوهر الصقلي اعظم القواد  في العصر الفاطمي وهو من اشهر الشخصيات التي ارتبطت بالتاريخ المصري والذي

اسس لقيام دول الخلافة الفاطمية في مصر بعد خروجها من تونس وهو من الشخصيات التي انبهرت بها منذ القراءة الاولى ولا زلت مبهرا بها حتى اليوم لا سيما عندما نعرف ان جوهر الصقلي هو من بنى القاهرة واسس الازهر الشريف وهو القائد الرومي الذي ولد في صقلية وانتسب لهاوهو من اصل يوناني وكانت ولادته عام 300 من الهجرة الموافق 911 ميلادي وتوفى في القاهرة في 992 ميلادي

كان جوهر الصقلي في بداية حياته اسيرا لدى الفاطميين وعاش في القيروان مملوكا ولكنه اظهر براعة في شخصيته واخلاصا في عمله والتحق بخدمة الخليفة الفاطمي المعز لدين الله ولقب عنده بجوهر الكاتب وتبوأ لديه المناصب العالية حتو وصل الى قائد القوات الفاطمية حيث تمكن من ضم مصربعد ان اخرج العباسيين منها على رأس جيش قوامه مئة الف مقاتل في عام969ميلادي وبقي حاكما مصر ونائبا للخليفى حتى 972 ميلادي وجعل من القاهرة بعد ذلك عاصمة للفاطميين وهو الذي بنى سور القاهرة بثمانية ابواب (زويلة, الفرج, الفتوح, النصر, القراطين, المحروق, البرقية, والقنطرة) وكان لعدله وحسن ادارته السبب في اعتناق الكثير من الاقباط للاسلام   

وانتبهت في مشواري ذلك النهار بعد ان تملكتني هذه الرؤى عن هذه الشخصية التي كان لها دورها العظيم في التاريخ العربي والاسلامي والتي خرجت من هذه الجزيرة وانا استمع الى ذلك الشاب الذي يحمل قيتاره على رصيف شارع العطارين في باليرمو والذي تجد ( شارعه التوأم حي الجمالية حيث محلات العطارة على الجانبين في ممر الحمزاوي القريب من شارع المعز لدين الله القاطمي في القاهرة القديمة

في هذا الجو المدهش حيث تتباعد الجغرافية ويتقارب التاريخ تهيأ لي ان روح جوهر الصقلي كانت ترافقني في مشواري في هذا اليوم المشمس وكأن ذلك الذي وقف بقيتاره يعزف للمارة هو حفيد جوهرنا بطل القصة وبطل التاريخ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s