عندما انفرط عقد الاتحاد السوفيتي بعد تطبيق نظرية البروستيريكيا في عهد الرئيس ميخائيل جورباتشوف ورثت شركة طيران إيروفلوت سوقا كبيرا من أسواق الحركة الجوية يتمثل في كل الجمهوريات التي كانت خلف الستار الحديدي ومنها الجمهوريات الإسلامية الست: تركمانستان وداغستان وغرغيزيا وأذربيجان وأوزباكستان وطاجكستان.

وكان من الضروري أن تدخل شركتنا (الخطوط السعودية) في هذه الأسواق وخاصة في نقل الحجاج مناصفة حسب المتبع في اتفاقيات الطيران مع الدول كافة.

تلقينا إثر ذلك التعليمات بمقابلة وفد الشركة الوطنية الروسية الإيروفلوت والتي كانت يومها أكبر شركة طيران في العالم من حيث الأسطول وحجم السوق لحركتي النقل الجوي للركاب والشحن.

وترتب اللقاء على الاجتماع بهم في دمشق للخروج من انتظار إجراءات التأشيرات، حيث كانت سوريا يومها (كان هذا منذ 25 عاما) لا تلزمنا ولا الروس بتأشيرة الدخول إلى أراضيها.

وفي صباح الاجتماع الذي رتب له مدير الفرع كان الجميع يتناول الإفطار في مطعم الفندق ويستعد للاجتماع، حيث كان الوفد السعودي يضم نحو عشرة من إدارات مختلفة منها إدارة الشؤون الدولية وإدارات أخرى مساندة.

ونظرا لظروف رئيس الإدارة فقد فوض بدلا عنه الأستاذ أمين يرحمه الله وكنت العضو الثاني في الوفد الممثل لنفس الإدارة.

فوجئت بعد وصولي لصالة الاجتماع بالدور العلوي من الفندق بأن المكان مظلم والصالة مغلقة والتي كان اسمها (قاسيون) وهو اسم الجبل الذي يقف شامخا على أطراف عاصمة الأمويين الخالدة، ولكن أوضح المدير المناوب أن الفندق لم يتسلم موافقة الأمن العام لعقد الاجتماع، والأمن العام هو الاسم اللطيف جدا للمخابرات المركزية في القطر السوري.

وهو اسم يصيب كل من تعامل معه بالرعب بل بالهلع.

لم يكن علينا نحن أعضاء الوفد بشقيه نحن والروس سوى الانتظار الذي طال، وكنت ألاحظ تململ وفدنا وكثرة استفساره عن موعد الاجتماع، وكان الروس وهم أبناء الـKGB وأعوانه في غاية الهدوء والصمت كأنهم يدركون خفايا الأمور في مواقف كهذه وما يلزم الأمر من إجراءات.

وصل أخيرا ضابط برتبة عالية من الجهاز المذكور ليأذن لنا بعقد الاجتماع ولكن طلب أولا مع فريق عمله زيارة الصالة التي غاب فيها مع فريقه عنا وقتا ليس بالقصير.

كل هذا ونحن في بهو الفندق في انتظار الإجراءات المملة الأمر الذي أصابنا بالتوتر ولكنه لم يؤثر في الروس قيد أنملة، والذين كانوا يطيلون النظر فينا بصمت.

بعد كل هذا العناء والوقت المهدر طلب الضابط أن يجتمع بممثل الخطوط السعودية، حيث أقفل الاثنان باب مكتب مجاور لمدير الفندق وغابا قرابة الساعة خرجا بعدها وقد تجاوز النهار نصفه بكثير، علمنا بعدها أن الضابط كان يساوم مدير الفرع على الموافقة بعقد الاجتماع مقابل تعيين اثنين من أقاربه في مكتب الخطوط السعودية، الأمر الذي اعتذر عنه مدير الفرع بحجة أن أمرا كهذا لا يتحقق بجرة قلم منه، وأنه يحتاج إلى اختبار ومقابلة ولغة إنجليزية، الأمر الذي لم يقتنع الضابط به ولكن منحنا الموافقة أخيرا على وعد بأن يزور مكتب السعودية لاحقا بخصوص أقاربه.

دخلنا الصالة التي شرع القائمون على الخدمة بها بتجهيز القهوة والمرطبات والتي كانت بدورها تنتظر مثلنا موافقة المخابرات المركزية.

وكما يقتضي البروتوكول كان على الجميع التعريف بأنفسهم وكانت المفاجأة الجديدة التي لم نحسب لها حسابا، فلقد كان الروس لا يتكلمون الإنجليزية (لغة الطيران الدولية) ونحن بالطبع لا نجيد الروسية، وكان المخرج الذي اقترحه الجانب الروسي هو الاستعانة بمترجمة السفارة الروسية في دمشق، والتي وصلت بسرعة ونظن أنها كانت في بهو الفندق تنتظر الإشارة من رئيس الوفد الروسي، وكأن حضورها السريع لم يترك لدينا وقتا للريبة التي قد تتبادر للذهن في موقف هكذا.

افتتح الأستاذ أمين الاجتماع معتذرا عن غياب رئيس الإدارة بسبب حالته الصحية قائلا إنه مفوض بترؤس وفدنا في الاجتماع، وبعد أن نقلت المترجمة ذلك إلى الروسية وجاء الجواب بالروسية ثم عربيا من المترجمة أدرك الجميع في مجموعتنا أن جناب المترجمة لا تجيد العربية بالمستوى الذي يخدم النقاش الذي نجهز له، عندها أدركنا أن ثلاثة من الوفد المقابل يجيدون العربية وبطلاقة عرفنا من ذلك أن دورهم كان متابعة نقاشنا فيما بيننا بالعربية.

كان هذا اجتماعا غاية في الكوميديا بامتياز، حيث تبرع أحد الثلاثة بالترجمة تاركا دور التلصص علينا لآخرين انكشف أمرهم من أول يوم.

نظر إلي رئيس الوفد في نهاية اليوم الأول من الاجتماع طالبا مني كتابة المحضر ولم نكن بعد قد تجاوزنا مرحلة التعارف وتبادل المجاملات الباردة وبطاقات العمل والتي كانت غير مجدية لكاتب المحضر، فقد كانت بالروسية فقط دون مراعاة لأحد، ولاغرو أن الروس حتى ذلك اليوم كانوا لا يزالون تحت وهم الدولة العظمى، غير مدركين ما آلت إليه الأمور بعد البروستيرويكيا التي سارع الأمريكان بدفعها بكل ما يملكون من قوة المال ونفوذ الإعلام، كان آخرها جائزة نوبل التي حصل عليها ميخائيل جورباتشوف.

أسقط في يدي وأنا أسمع من الأستاذ أمين هذا الطلب فأنا صاحب أسوأ خط في المجموعة، ولم يكن يومها أي جهاز ذكي قد توفر سوى قلم الحبر أو القلم الجاف وفرخ الورق المسطر كما كنا نسميه، والذي لا يتجاوز ذكاؤه سابقيه، وخفف عني حين دعاني أمين لغرفته حتى يملي علي بعض النقاط التي يرى ضرورة تضمينها في المحضر، وأحسن إذ ناولني قصاصة بها نقاط المحضر، أدركت عندها سر طلبه بأن أكتب المحضر.

قلت لحظتها وبتلقائيتي دون أن أحسب للعواقب حسابا «مع علمي أن أمين يمثل جيلا لا يجيز المزاح بين الرئيس والمرؤوس»: لقد أسعدني خطك يا أستاذ.

قال: كيف؟قلت: اكتشفت الآن من هو أسوأ خطا مني، ساد الغرفة صمت سارعت بعدها بالخروج مسرعا إلى مركز الأعمال لطباعة المسودات الطويلة قبل أن أنسى قراءة خطي الأقل بشاعة من خط رئيس الوفد.

وتأبى الكوميديا أن تفارقنا في هذه المهمة، حيث رفض الوفد الروسي التوقيع على النص الإنجليزي فضلا عن العربي بحجة عرض ذلك على المسؤولين في موسكو!عدنا بعد ثلاثة أيام ملأتها المعاناة والغرابة والتوجس، ولا أذكر أننا سمعنا بعد ذلك من الروس أي ملاحظة حتى تقاعدي الذي كان مبكرا من وظيفتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s