رست بي سفينة الحياة للعمل في مدينة كراتشى العاصمة الاقتصادية لباكستان في زمن الأحكام العرفية منذ ربع قرن في عهد الجنرال ضياء الحق وفي عز الجهاد ضد الروس في أفغانستان.

أجدني مضطرا لهذه التقدمة لأني ما زلت أحمل في نفسي غصة ما برحت تؤلمني حتى اليوم، لقد كانت حقبة لها ما بعدها وما زلنا نحصد آثارها.

وجدت وعائلتي سكنا موقتا في شارع يحمل اسم جلالة المغفور له الملك فيصل، وأظن الاسم أطلق بعد مؤتمر القمة الذي عقد في فبراير 1974 بمدينة لاهور في عهد السيد ذوالفقار علي بوتو رئيس الوزراء ووالد المأسوف عليها بي نزير بوتو.

وكان علي البحث عن بيت مناسب بعد العودة من العمل كل يوم الأمر الذي شاركته معي زوجتي كل مساء.

وكان سمسار العقار يدور بنا في معظم الأحياء الجديدة وأهمها حي (الدفاع) والذي يسكنه معظم الأثرياء من رجال الأعمال والصناعيين وكبار ضباط الوزارة التي سمي الحي باسمها، فلا غرو فالبلد في قبضة الجيش والأحكام العرفية تعطي الصلاحيات الواسعة للسلطة آنذاك.

وبعد أن نال التعب من السمسار ولم ترق كل المساكن التي رأيناها برفقته موافقة حرمنا المصون اتصل بي صباح ذات يوم نفس السمسار ليقول إنه وجد ضالتي في حي كليفتون وهو الحي الجميل الذي كان ضاحية تأسست لسكن الجنود الإنجليز أيام الاستعمار البريطاني للقارة الذي انتهى مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

قال إن البيت الذي سأدلكم عليه اليوم (لقطة) ولا يجوز التفريط فيه، لأنه يتمتع بمميزات قلما تتوفر في غيره.

وعند الوصول لرؤية البيت أشار السمسار إلى الشارع الآخر خلف المنزل وقال: مدفون في هذا الشارع ولي من أولياء الله هو مولانا شاه غازي عبدالله، والذي من أجله اخترت لكم هذا البيت.

قلت وما هي الميزة في ذلك، أجاب بثقة: كل البيوت المجاورة لهذا الولي تنعم ببركات المزار فهي لا تنقطع عنها الكهرباء ولا الماء ولا التلفون ولا الغاز.

وأضاف: وصيتي الصادقة لكم ألا تفرطوا في بيت كهذا!ودهشته كانت مضاعفة عندما أدرك رفضنا للبيت، حيث لم يكن مناسبا، وأكرمنا الله بعدها ببيت أفضل عن طريق أصدقاء في الشركة.

وبعد رحلة العمل والغربة والتنقل من بلد لآخر ومن بيت لبيت غيره عدنا إلى جدة التي اشتقنا إليها شوق (الصحاري للمطر) كما تقول الأغنية العراقية، وأكرمنا الله بقطعة أرض كلفتني تحويشة العمر لبناء بيت الأسرة الذي حلمت به منذ عقود وكانت تجربة قلت عنها ذات مرة: (الإنسان يقضي ثلاثة أرباع العمر ليشتري أرضا، ويقضي الربع الأخير من عمره لبنائها، تكون في الأصل هي قطعة في مخطط حصل عليه أحدهم منحة كريمة).

بدأت البناء منذ بضع سنين ولفت نظري بناء قريب يعلو ويعلو في الفضاء عرفت أنه برج هائل لمليونير مشهور، وعرفت أيضا أنني والحمد لله اشتريت أرضي قبل أن يظهر هذا البرج في الفضاء.

وبعدها صار البرج شاغلي الشاغل، فكلما تظهر صورة البناء في صحيفة وكلما جاء خبر عنه أو تكلم صاحبه عنه زاد سعر الأراضي ناحية هذا البرج حتى بلغ السعر اليوم ثلاثة أضعاف ما كان عليه الحال قبل بضع سنين.

في هذا التصاعد الصاروخي في الأسعار الذي أفاد (بعد الله) من امتلك قطعته قبل ظهور البرج وقبل التصريحات التي ملأت وسائل الإعلام في الداخل والخارج تذكرت مولانا عبدالله شاه غازي وقارنت مع أسرتي كرامات مزاره الشهير في كليفتون والذي بشرنا به سمسار العقار في كراتشي والذي يقيك (كما قال السمسار) انقطاع الكهرباء والماء وما آل إليه الحال في أسعار الأراضي والمساكن جراء الكرامات التي تشمل الملاك في الحي الجديد من جيران البرج ولله في خلقه شؤون

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s