في سرد مباشر ممتع ينقلنا كتاب ( رحلتي مع العقيلات ) للكاتب ابراهيم المسلم الصادر عن الجمعية السعودية للثقافة والفنون في طعبته الثانية عام ١٤٠٨ – ١٩٨٨ م الى عوالم ساحرة موثقا رحلته مع والده وهو ابن الثانية عشرة منطلقا في قافلة قوامها مائتين من الإبل في عام ١٣٦٣ – ١٩٤٣م والحرب العالمية الثانية على أشدها

والعقيلات تسمية لتجار انطلقوا طلبا للرزق من بريدة في القصيم نحو الاْردن والعراق والشام  وفلسطين ومصر ووصل بعضهم الى تركيا وكانت رحلاتهم تمتد الى العامين والثلاثة أعوام بعيدا عن اهلهم يواجهون خلالها الكثير من التحديات والصعاب أهمها ندرة الماء ومخاطر قطع الطريق 

ولقد صقلت هذه الرحلات في الظروف القاسية  شخصيات هؤلاء الرجال الامر الذي جعلهم نخبة مميزة ليس في التجارة فحسب ولكن في أمور الحياة كافة الثقافية والسياسية والإدارية وحتى العسكرية منها

والعقيلات لا يمثلون قبيلة بعينها ولكنهم رجال جمعتهم روح المغامرة وحب العمل يدفعهم الطموح والمثابرة ويغريهم الترحال عبر الصحراء شوقا الى تحقيق الذات ورغبة في الارتقاء بالنفس والأبناء نحو فضاء المعرفة والحياة الواسعة والعيش الرغيد 

وكم هو حري بان تبذل الجهود اليوم لإعادة رواية هذه التجارب الانسانية النادرة ليس في الكتب وحسب ولكن حبذا كذلك في أفلام وثائقية قبل ان يغيب من بقي ممن عاصرها من الرجال ولا أظن الامر قد غاب على شباب القصيم المثقف رغبة في المحافظة على هذا التراث الرائع وان كانت هناك بعض الاعمال التوثيقية المتواضعة على اليوتيوب يشكر من قام بها

في كتابه الذي سررت بالحصول عليه واستمتعت بقراءته خلال اجازة الحج يذكر الكاتب عنوان كتابه الاول ( العقيلات )  والذي ضمنه تاريخ هذه النخبة التي تستحق الإعجاب والتقدير على مستوى الوطن

وإذا أردت ان اقتطف فقرة من الكتاب ( رحلتي مع العقيلات ) أجدني ماسورا بقول الكاتب :

” وصلنا الى باب العمود في القدس وبه يتوقف الأتوبيس ، في هذه المحطة نزلنا امام مكتب للشركة صاحبة الأتوبيس ودخلنا الى احد الشوارع التجارية الكبرى وبدأ الوالد يعرفني على معالم المدينة ، اخر هذا الشارع يودي الى القدس الجديدة وهذاباب العمود وهناك بيت المقدس وكانت الساعة قد جاوزت الواحدة ، وأخذ الوالد يسرع الخطى الى حيث احد المحلات التجارية فتوقفنا أمامه وكان مكتوب عليه ( شريف وعلمي ٠٠٠ صراف )  ، ودخلنا المحل وتعانق الوالد مع احد اصحاب المحل وبادلنا الرجل الاخر بتحية وفك الوالد حزامه وناوله صاحب المتجر وأخذ منه عشرة جنيهات وامام المحل جاء شخص ثالث أدى التحية وسأله ( علمي ) ان كان هناك حجرة بالفندق خالية ، رحب الرجل وذهبنا معه الى الفندق وهو مكون من أربعة طوابق ودخلنا الى بهو الفندق وامام الإستعلامات سلمه الوالد ورقة الهوية واعطانا ورقة مكتوبة اخذتها من الوالد وقرأتها : اسم الفندق ( فندق باب العمود ) ودخلنا الى احدى الغرف في الطابق الثاني وتوضانا وتركنا الفندق الى المسجد الأقصى للزيارة “

هذه صورة من تعامل هؤلاء الناس وحياتهم قبل سبعين عاما يحفظها لنا الكتاب وهي تمثل مرحلة من مراحل الرحلة بعد المسار الطويل على الإبل عبر الصحراء من نجد الى فلسطين

والرائع  ان هذه النخبة من صفوة رجالات القصيم شاركت على مدى عقود طويلة بل قرون في اثراء المنطقة العربية ثقافيا وسياسيا واقتصاديا في العهد العثماني وبداية تأسيس المملكة  واستوطن كثير منهم البلدان  التي تعاملوا معها وارتحلوا اليها طلبا للرزق ويذكر لهم  التاريخ مشاركتهم في حفر قناة السويس ومساندتهم لاحمد عرابي في ثورته وكذلك مشاركتهم في المعارك ضد الفرنسيين في دمشق كما شاركوا في كثير من احداث العراق

الامر الذي يجعل ما كتب عن العقيلات يتجاوز بكثير ما هو معروف بأدب الرحلات 

 واذكر اني كنت استغرب اللهجة المصرية التي تغلب على صديقي فهد الحجيلان الفنان التشكيلي المعروف وهو ابن القصيم ومن سكان جدة الان ولكن زال الاستغراب عندما ذكر لي انه من مواليد بلبيس في مصر وان أسرته عادت الى المملكة بعد حصوله على الثانوية وقد ذكر كتاب ابراهيم المسلم ان الحجيلان من رجال العقيلات الذين سكنوا بلبيس في مصر 

من اطرف ما وجدت في متابعتي لتاريخ العقيلات في ترحالهم لطلب الرزق لم يتوقف على خروجهم من نجد الى الشام والعراق او فلسطين فقط او الحجاز متعهدين لنقل الحجاج و التجارة  و منه الى السودان بل تجاوز بهم طموحهم ان انتقل بعضهم عن طريق البحر الى العالم الجديد بعد ان تكالبت على بعضهم الديون ومنيت تجارتهم بالخسارة

ومن القصص الغريبة في هذا ان شارك احد أبناء العقيلات محمد الرواف في نهاية القرن التاسع عشرالميلادي( أكتوبر ١٨٩٣) في معرض شيكاغو الذي أقيم بمناسبة احتفال الولاية المتحدة الامريكية بمرور ٤٠٠ عام على اكتشاف كولومبوس للقارة الامريكية وقد شاركت في ذلك الدولة العثمانية واختارته لخبرته مشرفا على جناح الخيل والإبل في المعرض

ومن الشخصيات التي انتقلت الى القارة الامريكية من أبناء العقيلات علي العساف يرحمه الله الذي وصل الأرجنتين (١٨٩٨ ميلادي ) طلبا للرزق ورغبة في سداد ديونه وقد واجه صعوبة في بداية حياته بسبب عدم معرفته للغة وقد يسر الله له تاجر لبنانيا نصحه بتجارة المكسرات فكان يدور في بداية عمله بعربة متنقلا بين الأحياء  ( واظن ذلك ) في بوينس آيرس حتى تمكن من تأسيس متجر صغير لتجارته في الملابس والعطارة

وقد أقام حوالي ١٧ سنة وعاد بعدها الى مصر وقد سدد ديونه ثم الى القصيم حيث فك الرهن عن مزرعة والده وتوفى يرحمه الله في (١٩٢٠ ميلادي) وَمِمَّا يذكر عنه تشجيعه أبناء البادية في طلب العلم فكان يدفع ريالا من فضة  في الشهر لكل طالب علم يترك الرعي للدراسة

ويعتبر  عبدالله الخليفة الشخص الثالث الذي دفعته ظروف الحياة والتجارة الى الترحال بعيدا حتى مدينة نيويورك في أمريكا فبعد ان خسرت تجارته عرض عليه بعض تجار الشام الذين التقى بهم في الاسكندرية بمرافقتهم للعناية بالخيول التي حملتها سفينتهم من الاسكندرية الى شواطئ نيويورك عن طريق اسبانيا كان ذلك في عام (١٩١٢ ميلادي) حيث اقام في نيويورك حوالي ثمان سنوات عمل في بدايتها أجيرا في الميناء ثم في تجارة الملابس والعطارة  كان له نشاط إسلامي في الدعوة مع بعض المقيمين من العرب والمسلمين وكان نموذجا مميزا لرجال العقيلات الذين عرفو بالامانة في التجارة والصدق في التعامل وقد عاد عبدالله الخليفة الى القصيم عن طريق مصر بعد ان سدد ديونه واستمر في مزاولت تجارته

والشخصية الرابعة الآي استوقفتني كثيرا وانا اتابع تاريخ هذه النخبة من أبناء ورجال القصيم هو خليل ابراهيم الرواف الذي خرج في بداية شبابه  مرافقا لقافلة العقيلات الى الشام والعراق حيث التقى بسيدة أمريكية نصحته بالسفر الى أمريكا حيث تزوجا وأنجبا وأقام حيث شارك في التمثيل في فلم من أفلام هوليود ( عملت مراسلا حربيا ) كان ذلك في ١٩٣٧م قبل وصول الممثل الكبير عمر الشريف الى هوليود بأربع عقود يرحمهما الله

وكانت حياة خليل ابراهيم الرواف  أشبه بفلم سنيمائي وقصة درامية بامتياز كذلك حيث انفصل عن زوجته التي أخذت ابنها نواف منه وتركته وقد تزوجت من احمد زكي ابو شادي رائد الحداثة الذي تبنى ابنه وغير اسمه الى كلايف ابو شادي وبعد وفاته انتقلت الام مع زوجها الأخير البريطاني وأقام  نواف ( كلايف )  حتى بلغ الثامنة عشرة في بريطانيا  

وعاد خليل ابراهيم الرواف بعدها الى القصيم حيث التقى ابنه نواف  بعد اكثر من أربعين عاما   

وإني على يقين بان الكثير من هذا  المجد والتاريخ الرائع الذي صنعه هؤلاء الرجال المتميزون يحتاج الى اعادة دراسة والى احياء في نفوس الناشئة

فهولاء النماذج تستحق ان يعرفها الجيل الحاضر والقادم من أبناء المملكة فهم أمثلة تحتذى وقدوة فريدة تنتزع الإعجاب وتستحق الاحترام وما احوجنا اليوم الى هذه النماذج التي نستلهم منها حب العمل والحرص على السعي في الحياة والبناء  والمشاركة في رفع إنتاجية المجتمع وسمو الوطن الى ما نصبو ان يكون عليه بين الامم

ولا شك ان مملكتنا الحبيبة المترامية الأطراف تذخر في كل مناطقها بنماذج مشرفة ليس على الصعيد المحلي فقط بل حتى على الصعيد العالمي غفر الله لمن انتقل منهم الى رحمة ربه وحفظ من بقي لهذا الوطن الكريم

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s