عندما وصلتني الرسالة من ابنه ماهر ينعى فيها والده العم محمد درويش رقام أدركت لحظتها أن نافذة كانت مشرعة على تاريخ جدة بتفاصيله وحكاياته وكل نماذج شخصياته رجالا ونساء قد أغلقت، وأن ذاكرة كانت تتوهج مضيئة لكل من كان يسأل من طلبة العلم والمؤسسات التي اهتمت في وطننا بالتاريخ الشفوي قد انطفأت.

كان حديثه عن جدة حديث المسكون بتاريخها في كل مرة التقيته، حين كنا نتسامر في المقهى أو حين نزوره مع بعض الضيوف من الداخل والخارج في منزله. وأذكر أن طالبا فرنسيا أقام أشهرا في جدة لكتابة أطروحته عن عائلات جدة الاقتصادية كان يتردد على منزل العم محمد الرقام لتصحيح معلومات أو السؤال عن العائلات في حقبة تاريخية عاصرها.

أذكر عندما زرته للمرة الأخيرة في غرفة العناية المركزة وكان يتكلم بصعوبة قربني إليه وقال بصوت أنهكه المرض: يا صالح أرجوك أن تساعد ابني جهادا لإنجاز طباعة الكتاب وكان يقصد كتابه الثاني (جدة.. حكايات من الزمن الجميل)

صدر الكتاب بعد وفاته يرحمه الله أنيقا جميلا في غلاف مميز وصور منتقاة بعناية ومقاس مختلف كان بمثابة تلويحة وداع لجدة التي سكنت خاطره وجرت في دمه والتي كان مهموما بتاريخها في كل مراحل حياته وكان حتى وفاته وقد جاوز التسعين يتذكر دقائق الأمور وتفاصيل التفاصيل لأحداث وأسماء مرت عليها عقود تعادل عمره يرحمه الله.

وكان العم محمد الرقام قد أصدر كتابه الأول (جدة داخل السور) من سنوات ولم يكن راضيا كل الرضا عنه وغالبه القلق على تاريخ أدرك مسؤوليته تجاهه، فكم كان يتصل بي غاضبا إن لاحظ من خاض في حدث أو قضية تاريخية ولم يوفها حقها أو أخطأ في بعضها.

كنت أزوره كل أحد لفترة طويلة برفقة الدكتور سعيد السريحي لنسجل معه موضوعا كل أسبوع، وقد نشرت عكاظ له أكثر من عشرين لقاء كان للدكتور سعيد الفضل بعد الله في إبرازها للقراء منذ سنوات تكلم فيها عن الأسر والحارات والأزقة والحرف والصناعات والمغنين والكتاتيب والشخصيات الاجتماعية والمعالم التاريخية بتفاصيل قلما تجدها واضحة عند أترابه حتى إنه يسرد لك تفاصيل المحادثة الهاتفية مع وزير الملك منذ ستين عاما أو أن يعدد لك أسماء البائعين في الخاسكية قبل ذلك في زمن الأشراف مثلا، أو أن يصف لك هيئة البائعين الجائلين مثل (حنيفة بائع الدندرمة التي تسمى الآيسكريم الآن، وناجي بائع البسبوسة الذي كان يجول في المدارس، وكان الناس يتحرون وصوله للذة ما يصنع) .

ولقد اتصلت دارة الملك عبدالعزيز بالعم محمد مدركة أهمية التاريخ الشفوي الذي يحمله فقامت مشكورة بتسجيل عدة حلقات مسموعة عن تاريخ جدة معه لمكتبتها الشفوية، يقول العم محمد عن نفسه في مقدمة كتابه: (ولدت في حارة البحر.. وفي صغري ارتدت كتاب الشيخ طه توينه، ثم كتاب الشيخ عبدالحميد عطية، ثم كتاب الشيخ محمد الصاوي، ثم انتقلت بعد ذلك إلى المدرسة الرشدية.. وكان لنشأتي بين كوكبة من الشيوخ المخضرمين الذين عاصروا الفترة الأخيرة من العهد العثماني ثم في زمن الأشراف، ثم بداية تكوين المملكة العربية السعودية الأثر الكبير في تنوع ما حملته ذاكرتي عن جدة التي عشت في ربوعها وعشقتها).

يرحم الله العم محمد فلقد كان موسوعة جداوية يسكنها الشغف بجدة ويحركها الحب لتاريخها ويملؤه القلق خوفا أن يندثر هذا التاريخ الجميل الذي عاشه في طفولته وتألق فيه في شبابه وحرص عليه في شيخوخته وأوصاني عليه حين كان الموت يرفرف في غرفة العناية المركزة في المستشفى التي حملوه منها إلى مثواه الأخير قبل شهور قليلة.

من أجمل ما عرفته وعرفه غيري في قدرات العم محمد درويش الرقام تلك الذاكرة الناصعة التي ظلت واعية برغم سنواته التسعين

فكرة واحدة على ”العم محمد الرقام والزمن الجميل

  1. اللهم اغفر للعم محمد رقام ونور له قبره وأسكنه فسيح جناتك . وجزاك الله خير اخي صالح على ما دونته هنا عن هذه القامة التي تشرفت بمعرفته عن طريقك فوجدت فيه طيبة القلب وروح الجداوي العاشق لعروس البحر الأحمر . كانت الحلقات التي نشرناها في جريدة المدينة عن تاريخ جدة تجتذب اهتمام الكثيرين فقد أبدع العم محمد رقام يرحمه الله في طرحه عن جدة القديمة واهلها بكل التفاصيل المفيدة والمثيرة .. واتفق معك بأنه كان نافذة مشرعة نطل منها جميعا على تاريخ هذا الثغر ( جدة ) الساكنة في قلوبنا كما سكن الرقام فيها .

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s