كان أمين زميل الفصل في الدراسة الثانوية هادئ الطبع قليل الكلام متوسط التحصيل ولم نعرف أنه من جنسية عربية أخرى إلا بعد تخرجنا، وافترقنا بعد الدراسة في دروب الحياة وكأنه بدأ حياته العملية بعد ذلك مباشرة حيث كابد في سبيل لقمة العيش وتنقل في أعمال مختلفة ثم تزوج من فتاة من مواليد مدينة جدة من جنسية أخرى لا تعرف منها سوى جواز السفر الذي تحمله من سفارتها، كان هم أمين الأول تربية أبنائه ودراستهم فقد رزق بنات وأولادا أنفق في سبيلهم جل ما يملك، صادفته يوما فكان يشتكي لي مشكلته بسبب ابنه الأول، فكثيرا ما تطلبه إدارة المدرسة شاكية من سلوكه وعدم انتباهه للدرس، واضطر كثيرا إلى كتابة التعهدات للإدارة المدرسية بتقويم ابنه الذي كان ما إن يبدأ المدرس في الشرح حتى ينطوي على كراسته يرسم كل ما يوحيه له حديث المدرس من أشكال وتعابير بألوان شتى وأساليب مختلفة، وعندما ضاق به سوق العمل وقامت الشركة التي يعمل بها بتسريحه تطبيقا للسعودة وجد أن الحاجة تدعوه إلى حلول أكثر صعوبة، لم يكن يتوقع أنه سيلجأ إليها، ولكن هي الأقدار التي أجبرته وزوجه إلى البحث في الخارج عن سبيل للعيش، وكان هاجسه الأول تربية أولاده وتعليمهم لا سيما أن حنق المدرسة بلغ حد التهديد بالطرد!

قال لي إنه طرق باب السفارة الكندية يطلب تأشيرة الهجرة، وكانت الشروط يومها تنطبق على حالته فحمل أهله وغادرنا إلى تورنتو، حيث استقر بهم المقام في بيئة غريبة ومجتمع جديد وحياة مختلفة لم تألفها الأسرة، ولكن سرعان ما تأقلم وأسرته على الحياة الجديدة، ذهب أمين إلى مدرسة الحي في تورنتو بسيارته مع ابنه هاني لمقابلة إدارة المدرسة التي وقع عليها اختيار الأسرة، نظرا لموقعها القريب من سكنهم، ذهب متوجسا يخفي في نفسه شيئا من القلق وشيئا من التفاؤل وكانت المديرة في انتظارهم حيث تكلمت معه في شؤون عدة ولم يشأ أمين أن يخفي حقيقة ابنه عنها فتشجع وقال: أشكركم على قبول هاني ولكن أود أن أوضح أن هاني لديه مشكلة.. تساءلت المديرة في هدوء.. ما هي مشكلة هاني؟ قال الأب: إنه ينشغل عن شرح المدرس بالرسم في كراسته ويحلو له أن يرسم أشكالا يوحيها إليه جو الدرس وشرح المدرس!

ابتسمت المديرة وقالت: هذه موهبة وليست مشكلة، وفي كل الأحوال نستطيع مساعدته في تطوير هذه الموهبة إلى مهارة يستفيد منها في مستقبل حياته.

خرج الأب مطمئنا وقد انزاح عن صدره الهم الذي كان يؤرقه في سلوك ابنه، واستمر الابن في مدرسته دون شكاية من المدرسة أو مكابدة من الأسرة.

وفي صبيحة يوم من أيام تورنتو الباردة وجد الأب مغلفا بريديا في صندوق البيت فحمله إلى الداخل واستغرب أنه موجه لابنه هاني وأن المغلف يحمل شعار شركة كهرباء تورنتو! جلس الأب مع أسرته يقرأ الخطاب المفاجئ للجميع.. فإذا به موجه لابنه الموهوب في الرسم! تقول فيه شركة الكهرباء إنها اختارت هاني للمشاركة في تصميم الشعار الجديد للشركة بناء على ترشيح من المدرسة وتزكيتها لمهارته في تحويل الشرح إلى رسومات، وفي الخطاب شرح واف لأهداف الشركة ومسؤولياتها، وكان لهذه الرسالة ما بعدها.

التقيت بصديقي أمين بعد سنين طويلة من الغياب، وبعد السؤال عن الحال والأحوال عرفت أن هاني اليوم يدير شركة مهمة مشهورة وقد تحولت موهبته إلى مهارة كما وعدته مديرة المدرسة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s